أحمد بن محمود السيواسي
324
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
بالوفاء بالعهد والنهي عن النقض ( وَلَيُبَيِّنَنَّ ) اللّه ( لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) [ 92 ] في الدنيا بنقض العهد وغيره ويجازيكم به . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 93 ] وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 93 ) ( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) أي على ملة الإسلام بطريق الإلجاء ، لأنه قادر عليه ( وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ) بحكمته المقتضية إضلاله ، يعني بخذلانه إياهم عدلا منه ( وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) بلطفه وتوفيقه إياهم فضلا منه لمن علم أنه يختار الإيمان ، فبني الأمر على الاختيار المرتب عليه الثواب والعقاب لا على الإجبار الذي لا يستحق به شيء ، وحققه بقوله « 1 » ( وَلَتُسْئَلُنَّ عن ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ 93 ] من الوفاء بالعهود ونقضه يوم القيامة . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 94 ] وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 94 ) ثم قال تأكيدا للنهي عن نقض العهود وإظهارا لعظم ما يرتكبون منه ( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا ) « 2 » أي فسادا وخديعة ( بَيْنَكُمْ ) فتغرون بها الناس فيسكنون إلى أيمانكم ويأمنون ثم تنقضونها ( فَتَزِلَّ قَدَمٌ ) أي قدمكم ( بَعْدَ ثُبُوتِها ) أي بعد الاستقامة ، وإفراد القدم وتنكيرها ليدل على استعظام زلة قدم واحدة عن طريق الحق « 3 » ، فكيف بأقدام كثيرة ، ونصب الفعل جواب النهي « 4 » ، يقال فلان زلت قدمه إذا وقعت في ورطة بعد سلامة ( وَتَذُوقُوا السُّوءَ ) أي وتتجرعوا العذاب في الدنيا ( بِما صَدَدْتُمْ ) أي صرفتم غيركم ( عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) أي دينه الإسلام ، لأنكم إذا سهلتم طريق نقض العهد على الناس اتخذوها سنة يستنون بها لغيرهم ( وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) [ 94 ] أي شديد في الآخرة . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 95 ] وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 95 ) قوله ( وَلا تَشْتَرُوا ) أي ولا تختاروا ( بِعَهْدِ اللَّهِ ) أي بنقض عهده ( ثَمَناً قَلِيلًا ) أي يسيرا ، يعني لا تنقضوا عهودكم تطلبون بنقضها عرضا يسيرا من الدنيا ولكن أوفوا بها ( إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ ) أي إن الذي عنده من الثواب لكم على الوفاء ( هُوَ خَيْرٌ ) أي أنفع ( لَكُمْ ) في الآخرة مما أخذتم من اليسير على النقض في الدنيا ( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ 95 ] فضل ما بين العوضين ، نزل في رجل من حضرموت اسمه عبدان بن الأسوع جاء إلى رسول اللّه عليه السّلام وادعى أن امرأ القيس غصب أرضي بالمجاورة ولم يكن له شهود ، فأمر رسول اللّه عليه السّلام امرأ القيس أن يحلف ، فلما قام ليحلف أخره رسول اللّه عليه السّلام ، وقال له : انظر ، فانصرف من عنده فجاء جبرائيل بالآية فأقر بالحق لصاحبه « 5 » . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 96 ] ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 96 ) ثم بين اللّه تعالى فضل ما عنده من الثواب بقوله ( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ) أي الذي عندكم من حطام الدنيا يفني ( وَما عِنْدَ اللَّهِ ) من الثواب في الجنة ( باقٍ ) أي دائم لأهله فيها ( وَلَنَجْزِيَنَّ ) بالياء والنون « 6 » ، أي لنثيبن ( الَّذِينَ صَبَرُوا ) عن اليمين وأقروا بالحق لمستحقه أو على أذى المشركين ومشاق الإسلام ( أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 96 ] أي بأفضل أعمالهم ويبقى « 7 » سائر الأعمال فضلا ، فلما سمع امرأ القيس الآية قال : إن صاحبي
--> ( 1 ) بقوله ، س م : بقول ، ب . ( 2 ) بينكم ، + س . ( 3 ) الحق ، س م : - ب . ( 4 ) النهي ، س م : - ب . ( 5 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 2 / 249 . ( 6 ) « ولنجزين » : قرأ ابن كثير وعاصم وأبو جعفر بالنون ولابن ذكوان وجهان صحيحان النون والياء ، والباقون بالياء ، واتفق القراء علي قراءة « ولنجزينهم » بالنون . البدور الزاهرة ، 182 . ( 7 ) ويبقى ، ب م : وتبقى ، س .